ابن قيم الجوزية

504

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الخصوص - إلا على حرف واحد . وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد ، أو حاله ، أو وقته ، وإيقان العبد وقصده : بكون العبد راضيا مرضيا . فأعماله إذن مرضية . وأحواله صادقة . وقصوده مستقيمة . وإن كان العبد كسي ثوبا معارا . فأحسن أعماله : ذنب ، وأصدق أحواله : زور . وأصفى قصوده : قعود » . يعني أن الصدق المتحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق . فكأنه قال : لا يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق . ثم عرّف حقيقة الصدق . فقال : « لا يستقيم الصدق - في علم أهل الخصوص - إلا على حرف واحد . وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد ، أو حاله ، أو وقته ، وإيقانه ، وقصده » وهذا موجب الصدق وفائدته وثمرته . فالشيخ ذكر الغاية الدالة على الحقيقة التي يعرف انتفاء الحقيقة بانتفائها . وثبوتها بثبوتها . فإن العبد إذا صدق اللّه : رضي اللّه بعمله ، وحاله ويقينه ، وقصده لا أن رضى اللّه نفس الصدق . وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه . ولكن من أين يعلم العبد رضاه ؟ . فمن ههنا كان الصادق مضطرا - أشد ضرورة - إلى متابعة الأمر ، والتسليم للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، في ظاهره وباطنه ، والاقتداء به ، والتعبد بطاعته في كل حركة وسكون ، مع إخلاص القصد للّه عزّ وجلّ فإن اللّه تعالى لا يرضيه من عبده إلا ذلك . وما عدا هذا فقوت النفس ، ومجرد حظها ، واتباع أهوائها . وإن كان فيه من المجاهدات والرياضات والخلوات ما كان . فإن اللّه سبحانه وتعالى أبى أن يقبل من عبده عملا ، أو يرضى به ، حتى يكون على متابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، خالصا لوجهه سبحانه . ومن ههنا يفارق الصادق أكثر السالكين . بل يستوحش في طريقه . وذلك لقلة سالكها . فإن أكثرهم سائرون على طرق أذواقهم ، وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ، ومتابعة رسوم شيوخهم . والصادق في واد . وهؤلاء في واد . وقوله « فيكون العبد راضيا مرضيا » . لأنه قد رضي باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا . فرضي اللّه به عبدا . وأعماله إذا مرضية للّه . وأحواله صادقة مع اللّه . وقصوده مستقيمة على متابعة أوامر اللّه عزّ وجلّ . وقوله « وإن كان العبد كسي ثوبا معارا ، فأحسن أعماله : ذنب . وأصدق أحواله : زور . وأصفى قصوده : قعود » هذا يراد به أمران : أحدهما : أن يكسى حلية الصادقين . ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم . فثوب الصدق عارية له ، لا ملك له . فهو كالمتشبع بما لم يعط . فإنه كلابس ثوبي زور . فهذا أحسن أعماله : ذنب يعاقب عليه . كما يعاقب المقتول في الجهاد ، والقارئ القرآن المتنسك ، والمتصدق ، ويكونون أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة . لما لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين . هذا معنى صحيح . ما أظن الشيخ قصده . وإنما أظنه قصد معنى آخر . وهو أنه متى تيقن العبد : أن وجوده ثوب معار ، ليس منه ، ولا